منير سلطان
242
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
أو يمتنع بتعويض معناه عن الإبانة ، ويجب أن يتنكب ما كان عامي اللفظ ، مبتذل العبارة ، ركيك المعنى ، سفسافى الوضع مجتلب التأسيس ، على غير أصل ممهد ولا طريق موطّد « 1 » . أما الجمال عند الجرجاني فهو موضوعي ، لا يخضع للأقوال العامة والقوانين المأثورة ، بقدر ما يرى للحسن مصدرا معلوما وعلة مفهومة وسبيلا يتخذ للوصول إليه « 2 » . وهو يفرق بين الجمال والذوق ، فالأول يحتاج إلى قاعدة ، تتميز بالصفة المعقولة ، أما الذوق فهو باب « لا تقوى عليه العبارة ، ولا تملك فيه الإشارة ، وأن طريق التعليم إليه مسدود وباب التفهيم دونه مغلق » « 3 » والجمال يمكن إدراكه عند الجرجاني ، بينما الذوق عنده « شئ فطرى طبعى لا يجتلب » « 4 » . والزمخشري يطبق هذه الملاحظات على تفسيره ( الكشاف ) بما سبق الإشارة اليه ، وذلك في تحليله جماليا المعاني النفسية الكامنة في الآية ( إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ) « 5 » [ الحجرات - 3 ] وفي غيرها « 6 » . وكذا السكاكى ، يرى أن الذوق وسيلة من وسائل كشف الإعجاز في القرآن ، إلا أنه جعله يكتسب بعلمى المعاني والبيان « 7 » . وهو والجرجاني على حق فالذوق فطرى مكتسب وطبعى يربّى بالتمرين والممارسة . إن المتكلمين تركوا أثرا له قيمته في ميدان الكلام والأدب والإعجاز فالجاحظ يفرد لأول مرة كتابا في ( البيان والتبيين ) ، سجّل فيه ملاحظاته وملاحظات معاصريه العرب والسابقين ، وكذا الأجانب في البلاغة ، وهو - بعد - غير
--> ( 1 ) الباقلاني - إعجاز القرآن 117 و 118 . ( 2 ) الجرجاني - الدلائل - 26 . ( 3 ) نفس المصدر - 65 . ( 4 ) نفس المصدر - 356 . ( 5 ) الزمخشري - الكشاف - 2 / 392 . ( 6 ) نفس المصدر - 1 / 17 و 2 / 200 و 2 / 478 . ( 7 ) السكاكى - المفتاح - 241 .